فلسفة الإمام المهدي في إدارة التغيير والتنوع وأثرها في انجاح الثورة المهدية (1881-1885)

د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

مدخل:

أولاً : أهمية تحرير وتفكيك مصطلح المهدية

من المهم جداً الانتباه لذلك ، حال كنا  نريد الخوض في قراءة جديدة وبمنهج مختلف للمهدية، إلى التفرقة بين المصطلحات المرتبطة بالمهدية :  الدعوة المهدية وإمامها ، الثورة المهدية وقائدها ، الدولة المهدية وتفاعلاتها .  ومن المفيد لضرورات البحث والتناول التفرقة بينها و( فكفكتها عن بعضها ) ، صحيح أن الدعوة كانت حاضرة في النشاط اليومي للإمام ، إلا أن ربطها موضوعياً بالحراك الثوري للمهدي مضر بحيث تكون هناك صعوبة في اقتراح إجابات لها القدرة على الصمود أمام الاختبارات المنهجية  . 

ثانياً : ضرورة التفرقة في التعاطي مع تاريخ المهدية  ( الدعوة ، الثورة ) 

في إطار التعاطي مع تاريخ المهدية، السؤال الجوهري الذي يقفز الى الذهن ،  هل نتعامل مع المهدية  دعوةً (مرتبطة بصاحبها)  مثلها مثل الرسالات السماوية ، أم نتعامل معها كإجراء  مرتبط بــ ( سلوك وبرنامج عمل )  (وتفاعلها) مع مجتمعها و حركتها وفاعليتها؟ . 

وتذهب هذه الورقة إلى استنتاج إجابة سريعة مفادها، أنه  وفِي سعينا لتقديم رؤية مختلفة من خلال (القراءة الجديدة)  لتاريخ المهدية أن نتعامل معها في إطارها الإجرائي والحركي الفاعل  و بقراءة موضوعية للنشاط الثوري لقائدها .  

اختلاف الزمان وغياب المعطيات ( الذاتية )  المرتبطة بالقائد المركزي .. يجعل من الواجب الاعتماد في اعادة انتاج الدور الذي لعبته المهدية كحركة تفاعلية. ، وان نعيد طرح المهدي قائداً وطنياً أتفق حوله الناس حينها … وان  لا نقعد (بديناميكية) الثورة بغلقها و (حبسها)   داخل  (جدلية مهدية  محمد احمد) ولا الاستغراق أسرى (لانطباق) شروطها واشتراطاتها،  ويجب الاعتراف بأن (محمد احمد) (مهدياً )  غائب ومنتهي .. ولكن، برنامجه الثوري (موجود)  وقابل  للتطويع وفق  مقتضيات الزمان والمكان .. ويمكن الاختلاف معه وتجاوزه وفق مقتضيات الحال والأوان ..   (فالأمر دنيا) وفلسفة حكم وإدارة وفق مقتضيات الحال .

أن ينظر الأنصار إلى المهدية (كعقيدة)  وفق منظار (مأموريتها) و (إنزال)  برنامج تلك المأمورية وفق أدوات الواقع المرتبطة (بالدعوة) ،  وأن ينظر كل السودانيين الى وطنية  قائدها و (استدعاء دوره (الحركي) وادارته (الفاعلة  للثورة) . 

منطلقات مفاهيمية : 

أولاً : الجميع يبحث عن (  تاريخ )  في ظل عالم صار يهتم بالثقافة وعناصرها، و(التاريخ ) بهذا المفهوم يعتبر أحد العناصر المهمة  وذكر أحد البحاث أن هناك من يحاولون صنع تاريخ من (لا شيء) ! فكيف بنا نحن وتاريخنا ضارب الجذور … لكن إشكالنا  المنهجي (هو التعاطي عاطفياَ ) مع التاريخ وفق إسقاطات ومطاعن ومظان وأحكام مسبقة . 

ثانياً : انه ليس في استطاعتنا تغيير حوادث التاريخ !!! ولكننا نملك – كل الحق في – إعادة قراءتها، لا لإعادة إنتاجها بل لفهم واقعنا واستشراف مستقبلنا. 

ثالثاً : وعلى الرغم من أنه قد قدمت الكثير من الانتقادات للمنهج التاريخي على اعتبار أنه لا يصمد وحيداً لتقديم أطروحات ذات نتائج تصلح للتعميم حيث لا بد من المزج بينه وبين أحد مناهج البحث العلمي المتبعة في الدراسات الاجتماعية او السياسية . إلا أن ابن خلدون قد تغلب على مناهج دراسة التاريخ الجامدة والتي لا يمكن أن تعطينا تعميمات بأن ابتدع منهج دراسة باطن التاريخ ( para history ) بمعنى عدم الوقوف عند التوثيق والتأريخ للحوادث بل يجب الولوج إلى أسبابها ومسبباتها وذلك بدراسة كل العوامل المحيطة بها سواء داخلية أو خارجية الداخلية المرتبطة بالدراسة الذاتية للأشخاص الفاعلين وكذلك دراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي . 

رابعاً : عدم إسقاط معايير الواقع على التاريخ : بمعنى أن نقوم بالنظر إلى كل ما هو مرتبط بهذا الموضوع من خلال الحكم عليه بمعايير زمنه وظروفه ومعطياته لأن الحكم على التاريخ بمعايير الواقع فيه إجحاف وظلم ومجافاة للعلمية . 

مبحث أول :  إشكالات دراسة سيرة الإمام المهدي

تبرز العديد من الإشكالات عند الخوض في دراسة تاريخ الثورة المهدية وبخاصة سيرة الإمام المهدي، منها ما هو مرتبط بالمنهج ومنها ما هو متعلق بالمصادر.

إشكالات المنهج :

كثير من الدراسات التي تناولت الثورة المهدية طرحت أفكارها بمنهج تاريخي توثيقي، دون أن تذهب إلى تقديم دراسات شاملة تستصحب معها مجمل العوامل الموضوعية (من حيث التأثير والتأثر).

 وحتى تلك التي حاولت الولوج تحليلاً في أسباب قيامها ونجاحها حصرت العوامل – مع موضوعيتها – في العنف الذي صاحب الغزو التركي للسودان وبخاصة انتقام الدفتردار لمقتل إسماعيل ابن محمد علي حاكم مصر ، إلى جانب الضرائب الجائرة وطريقة جبايتها القهرية ، وللعديد من الممارسات المرتبطة بالعقلية الاستعمارية التركية. 

أما من جهة النجاح فقد ذهبت جل تلك الدراسات إلى أن العامل الرئيسي هو ضعف الإدارة التركية وفقدانها السيطرة على الأمور وتقليلها من شأن الثورة والتعامل معها في بداياتها.

على الرغم من أن تلك الدراسات تناولت المهدي بوصفه قائد الثورة في إطار التوثيق التاريخي للأحداث التي صاحبت الثورة وتلك المرتبطة بشخصه، إلا أنها لم تفرد فصولاً لتناول مقدراته الذاتية في تحريك وقيادة الثورة واحتوائه لكل العوامل والظروف وإعادة إنتاجها بصورة تبرز قدراته الذاتية والشخصية وتفجيرها بما حقق له النجاحات الكبرى .

كما أن منهج الدراسات التي تناولت المهدي كانت :  إما منهجاً هجومياً حاول نفي صفة المهدية عنه وبذلك تسقط كل دعواه وما أنبنى عليها ، أو منهجاً دفاعياً حاول إثبات صفة المهدية عليه حتى تكون سنداً قوياً لنجاحاته. ولكن كلا المنهجين أضرا بسيرة ذلك الرجل حيث انصرف الباحثون عن دراسة شخصية المهدي وركزوا جل اهتمامهم بالمهدية وأسانيدها وشروطها ومدى انطباقها على الرجل.

وهناك أشكال آخر ارتبط بسيرة الرجل وهو تحول الإمام المهدي من رمز وطني إلى رمز سياسي – في السابق وفي الوقت الحاضر – حيث كان المهدي قائداً لثورة قامت ضد المستعمر ومصالح الجماعات المرتبطة بذلك الاستعمار ولهذا كان من الطبيعي قيام دعاية مضادة له جعلت منه مركزاً لهجوم العلماء واختلاف الناس عليه.

 ثم صار رمزاً سياسياً لما (للتقسيمة الفطيرة)  لما عُرف (بأبناء البحر وأبناء الغرب)  وفق الفرز الجهوي  الضيق  للصراع الداخلي الذي حدث بعد وفاته.

 ثم صار المهدي رمزاً لطائفة الأنصار وحزب الأمة.

وهذا الأمر كله صار خصماً على رصيد الرجل من اعتباره رمزاً وطنياً.

لذلك لا بد أن يكون منهج قراءة سيرة هذا الرجل ، لا من واقع تسلسل زمني كيفما درَجت الدراسات التاريخية التي تتناول السير الذاتية ، بل من خلال نظرة موضوعية تحاول الربط المنطقي بين المقدمات والنتائج بتحليل علمي للأحداث ووضع كل منها تحت عنوان يكون مقدمة لنتيجة تاريخية حدثت .

إشكالات المصادر  :

قلة الدراسات : ذكر البروفيسور قاسم عثمان نور أنه في عام 1981 في فترة الإعداد للاحتفال العالمي بالعيد المئوي للثورة المهدية بحث في مكتبة جامعة الخرطوم وجد أن هناك أربعون كتاباً تتناول سيرة غوردون ولم يجد كتاباً واحداً يتناول سيرة الإمام المهدي.

شفاهية المعلومات : ولعله من الإشكالات الكبيرة المرتبطة بالمصادر هي غياب مصادر لدراسة الإمام المهدي قبل الثورة ، عدم وجود معلومات عن المهدي قبل مهديته ، وجل ما تم جمعه فهو ( محكي )   .

وانعكس ذلك على كثير من الدراسات التي اعتمدت على مصادر الشفاهية والنقل والحكي الشعبي وهي بذلك تعد مصدر (مضطرب)  في ظل تمجيد الإمام المهدي من عامة الناس وسرد حكايات وخوارق عنه .

على الرغم من أن تلك الدراسات قد وثقت تلك الإفادات في حواشيها إلا أنها تظل مصدراً ثانوياً، وكما هو معلوم بالضرورة أن الاعتماد على المصادر الثانوية في الدراسات التاريخية يعتبر ضعفاً منهجياً يقدح في أصالتها . 

المصادر الاستخباراتية والحربية المكتوبة : الأشكال الآخر هو ذلك المرتبط بالوثائق التي غالبا ما كانت مكتوبة في شكل تقارير استخباراتية في ظل واقع حربي وعسكري ، وكتابات عدائية .

مبحث ثان :  فلسفة الامام المهدي في إدارة التغيير والتنوع

المقدرات الذاتية للإمام المهدي :

بعد إعلان الإمام محمد أحمد المهدي للمهدية ووقوع معركة الجزيرة أبا وانتصاره فيها أصبح المهدي قائداً ذو مسئولية (مزدوجة) مهمة (فكرية) تتمثل في الدفاع عن فكرته  و(عسكرية)  تتمثل في قيادة مقاتلين ضد الحكومة الاستعمارية. هنا تجلت عبقرية القيادة وظهرت القدرات الذاتية والشخصية للمهدي في التعامل مع المعطيات الموضوعية المحيطة وذلك بقدرته فائقة على الربط المنطقي بين الحقائق على ساحة معركته الفكرية والعسكرية حوله .

الكاريزما

كان محمد أحمد يتصف بالعناد والتصميم والاندفاع الحماسي نحو الأمور التي يتصدى لها ويمضي في الطريق حتى نهايته. وقد اعترف له أعداؤه بهذه المسألة، يقول القس أهرولد الذي سجن عشر سنوات في زمن الدولة المهدية عن “المهدي”: “كان مظهره الخارجي قوي الجاذبية، فقد كان رجلا قوي البنية، سحنته تميل إلى السواد، ويحمل وجهه دوما ابتسامة عذبة، وأسلوبه في الحوار حلو وسلس”. 

ويروي ونجت باشا -مدير مخابرات الجيش المصري- عن قدراته الخطابية فيقول: “إن الرجال كانوا يبكون ويضربون صدورهم عند سماع كلماته المؤثرة، وحتى رفاقه من الصوفية لم يخفوا إعجابهم به، وليس في شكله ما يثير إلا عندما يبدأ الوعظ، وعندها يدرك المرء القوة الكامنة فيه التي كانت تدفع الناس لطاعته”. 

ويقرر المؤرخ السوداني د. محمد سعيد القدال ذلك بقوله: “لقد توفرت لمحمد أحمد صفات متميزة أهلته للقيادة في مجتمع السودان في القرن التاسع عشر، فهو صوفي زاهد يحظى بتقدير الناس ويهرعون إليه طلبا للغوث والبركة، وهذه هي الصفات الأساسية للقيادة في ذلك المجتمع، ومكنته دراساته المتنوعة من امتلاك قدرات علمية ولغوية واسعة، وله جاذبية (كاريزما) يؤثر بها تأثيراً قوياً على من حوله، وتضافرت كلها مع نشاطه العلمي وقدراته الذهنية فرفعت درجات وعيه الاجتماعي مما قاده إلى فكرة المهدي المنتظر التي كانت تضج بها جنبات المجتمع، ورأى نفسه الشخص المؤهل لحمل أمانتها .

المعرفة التامة بالسودان  

تنقل المهدي قبل الإعلان عن دعوته في كثير من بلاد السودان، فقد انتقل جنوباً مع أسرته إلى الخرطوم من أجل التجارة وصناعة المراكب، ثم إلى أبا ثم تنقل في باحثاً عن العلم لدى المشايخ والطرق الصوفية ثم بعد أن أصبح من كبار الشيوخ في السودان عهد إليه شيخه بإعطاء الطريقة السمانية ونشرها في البلاد فجاب البلاد طولها بعرضها لهذا الغرض.

هذا الأمر جعل المهدي يلم تماماً بطبيعة أرض معركته ويتعاطى مع تلك الطبيعة بقدرة فائقة.

الفهم العميق لأحوال السودانيين 

نتيجة طبيعية للمعرفة التامة بالسودان كان للمهدي فهم عميق جداً لأحوال السودانيين وهمومهم ونفسياتهم ولعل ذلك وضح في التكتيكات السياسية التي اتخذها المهدي والطريقة التي اتبعها في تعامله مع قواده وجنوده.

الاستراتيجية في التنظيم العسكري 

اتخذ المهدي استراتيجية عسكرية رائعة وفق مراحل الصراع مع الحكومة مستهدياً في ذلك بالسيرة النبوية في الدعوة الإسلامية فقهاً وحركةً . ويمكن هنا الإشارة بصورة سريعة لتلك التكتيكات الإستراتيجية : 

أ- الدعوة السرية 

ب- الهجرة اختيار منطقة جبال النوبة (العمق الإستراتيجي) 

ت- اختيار مكان المعركة أبا، شيكان  

ث- حرب العصابات – حملة هكس باشا  

ج- إدارة المعركة  استخبارات المؤكدة – سياسة الأرض المحروقة – ردم الآبار – الحرب النفسية   

ح- تكتيك الحصار والاستنزاف   حصار الأبيض، حصار الخرطوم.

وهذه الأمور كانت مقدمات لنتائج واضحة وبينة وثابتة تاريخياً تتمثل في الانتصارات الحربية المتعاقبة للإمام المهدي التي أحرزتها الثورة المهدية.

مبحث ثالث :  فلسفة الامام المهدي في إدارة التغيير 

المهدي قاد حركة تغيير كبيرة جدا بمعايير ذلك الوقت استهدف بها الدين والمجتمع ونظام الحكم وفي هذا الاتجاه يمكن أن تبرز العديد من الشواهد :   

الشاهد الأول : يظهر في الإيمان بعملية التغيير في حد ذاتها :

فالمهدي تجاوز مجتمعه ولم يقدم نفسه كجزء من المجتمع الذي يعيشه واقعاً . بل قام بطرح نفسه كصورة أو جزء من المجتمع الذي يتصوره ويرغب فيه لنفسه ولأتباعه .

كذلك المهدي منذ صغره كان يجنح للتغيير ويتضح ذلك في رفضه للعمل في مهنة أسرته التي كانت تمتهن صناعة المراكب ، ونجد أنه قد تنقل في العمل في التجارة والاحتطاب كما روت العديد من المصادر .

كذلك يظهر حب المهدي للتغيير تنقله بين الشيوخ لاكتساب العلم، وقد ظهر ذلك في تنقله في أجزاء كثيرة من السودان مما اكسبه معارف متعددة المصادر ومكنته من معرفة الكثير من الناس والتعرف على أحوال البلاد، الأمر الذي ساعده بصورة كبيرة في تكوين تصوراته لإدارة التنوع.

الشاهد الثاني : امتلاك أدوات التغيير : 

المهدي كان مؤمناً ايماناً كاملاً بالتغيير ومقتنعاً بضرورته للإصلاح. وكان المهدي قائداً حازماً وحاسماً، وكانت لدى المهدي القدرة على الإقناع والتأثير في الآخرين، ويمتلك ثقافة عالية جداً ويجيد الخطابة، وكان قدوة حسنة ، ويشكل الربط بين القول والفعل حضوراً طبيعياً في ممارسته الحياتية اليومية . وكانت لديه معرفة كبيرة بالرجال قدرهم وقدراتهم.

الشاهد الثالث  : أن المهدي قدم نفسه في اعلى مراتب الصوفية ( المهدية ) وطرح نفسه قائداً ملهماً

المهدي وضع تصور للتغيير بما في ذلك إصلاح مؤسسة الصوفية نفسها ، وقد حكم على كل المجتمع بناء على تلك الرؤى ولم يستثن من ذلك الحكم على شيوخه ومعلميه .

المهدي لم يأتي بجديد أو شاذ عندما مناداته بالمهدية .

الجو النفسي الشعبي كان لا يرفض ومهيئاً لقبول فكرة المهدي المنتظر 

المهدي هيأ نفسه تماماً لهذا الدور ، حيث كان صوفياً ملتزماً . 

وإن كنت أري أن يتم تحييد هذه الفكرة في أي دراسة موضوعية تتناول المهدية ، فالمهدية فكرة دينية تحوم حول المنقذ الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، وهي محل خلاف استغرق جهداً كبيراً بين الفقهاء نفياً وإثباتا .

إلا أنه يمكن ملاحظة المردود الإيجابي لفكرة المهدية في بعدها السياسي وأثرها على خلق رابط ( جمعي )  ساعد المهدي على إدارة التنوع ، حيث استطاع المهدي وبذكاء شديد ( تجيير ) الدعوة إلى خطاب عقدي جمع حوله كلمة  وطرح نفسه كقائد ملهم لجمع الأتباع حول خطاب واحد مقبول ، وبالتالي خلق أرضية لوحدة نفسية بين الأتباع  :

– رباط روحي بينه وبين الأتباع سهل من الانقياد الطوعي .

– وحدة نفسية بين الأتباع سهل من وحدة ومركزية قائدهم .

– التفاف الناس حول قائد ملهم يصدق في القول والفعل وإيمانهم به .

– لب الفكرة ( الأخاذ )  في بعدها الاجتماعي والسياسي الذي يقوم على إزالة الظلم وإقامة العدل .

– قدرة المهدي بوصفه ( قائد ) على القيام بأمور تقفز على الواقع سهلت له التأثير المباشر على ( أتباعه ) ومكنته من السيطرة والتوجيه . 

الشاهد الرابع  : الاعتماد على قيادات جديدة : 

المهدي وفي سبيل ادارة التغيير نجده قد اعتمد على قيادات شابة وجديدة، لم تكن أرقاماً في المجتمع ولكنها آمنت به وبرؤيته في التغيير.  

مبحث رابع : فلسفة الامام المهدي في إدارة التنوع : 

بالنظر للواقع الاجتماعي في السودان- قبل الثورة المهدية – كان متنوعاً ويحتوي على كثير من المتناقضات  وروابط الانتماء المتمثلة في القبيلة  ، الطريقة الصوفية ، العلاقة مع الحكومة (مع – ضد) ، طبقة الأغنياء والفقراء ، مجتمع سمته الأساسية التفرقة ، وعوامل الربط أقل بكثير، مجتمع تلعب فيه الطريقة الصوفية الدور الأهم وتتفوق في ذلك على القبيلة . 

في هذا الإطار يمكننا ملاحظة العديد من الشواهد التي انطلقت منها فلسفة الإمام المهدي في إدارته لذلك التنوع والإختلاف: 

الشاهد الأول : المعرفة التامة بأحوال البلاد والعباد : 

تنقل المهدي في البلاد باحثاً عن العلم ، وفي بعض الأحيان للعمل . كذلك طوافه في البلاد لإعطاء الطريقة الصوفية . 

كل ذلك جعله لا يجد صعوبة في فهم طبيعة البلاد ونوعية العباد و إدراكه لواقع التنوع وبالتالي تبلور فلسفة التعاطي معه .

الشاهد الثاني : العمل على خلق رابط جديد في المجتمع : 

سعى المهدي لخلق رباط جديد بدلاً عن الطريقة الصوفية والقبيلة ، فجعل من دعوته المهدية محوراً لذلك الرابط الجديد . وفي إطار ذلك الغى جميع الطرق الصوفية وعطل العمل بالمذاهب الأربعة . 

وفي اعتقادي أنها ترتيبات في (ظاهرها دينية) إلا أنها في حقيقة الأمر (سياسية) القصد منها الترويج للرباط الأوحد المهدية .

الشاهد الثالث : إيجاد معايير جديدة : 

تمثل المعيار الأول في مركزية القيادة الروحية بحيث شكل المهدي الشخصية المركزية للثورة قائداً وملهماً . 

والمعيار الثاني تمثل إيجاد مفاهيم الجديدة للتمايز بين الجماهير ،فجعل الترتيب بالإنتماء للدعوة المهدية  ( أبكار المهدية ، أنصار أبا ، أنصار تقلي .. ) . 

المعيار الثالث تمثل في لا مركزية القواد بمعنى أنه يختار الرجل المناسب للمهمة المناسبة ، فكان يختار لقيادة أي مجموعة رجل منها وكان يختار لأي مهمة رجل من ذات المنطقة المطلوب تنفيذ المهمة.

والملاحظة الجديرة بالإشارة إليها هي أن المهدي كان يختار لأي مهمة في جهات الجزيرة والشمال قائد معروف عنه صوفيته ، وأي مهمة في الغرب أو الجنوب كان يختار لها قائد له مكانته في قبيلته . 

مبحث خامس : عبقرية اختيار أم درمان

الثابت أنه لا يمكن تغيير حوادث التاريخ ولكن يمكن النظر إليها باعتبارها مقدمات لنتائج شاخصة أمامنا، ومن هذا الفهم يمكننا النظر لمدينة امدرمان من خلال مقدمات الاختيار والتكوين وشواهد التخلق والتمازج .

لعل أم درمان (بهذا الفهم) هي الدليل الأبهى لإسقاط فلسفة الإمام المهدي في إدارة التغيير والتنوع ، لذا من يمكن القول بكل جرأة  أن اختيار المهدي أم درمان لتكون عاصمة لدولته – على الرغم من توفر خيارات حية لمناطق لعبت أدوراً كبيرة وشهدت أحداث مفصلية في مسيرة ثورته –  جاء من رؤية عبقرية وثاقبة ، سبقتها مقدمات ارتبطت بإيمان المهدي وقناعته بالتغيير سبيلاً ، وفلسفته في إدارة التنوع منهجاً. وأنعكس ذلك في نتائج شاهدة على تلك القناعة والرؤى ، بحيث تجسدت كل معاني الوحدة والتمازج ،وانعكست نتائج ومظاهر ذلك – نموذجاً – على كل المراكز الحضرية الأخرى .

ويتطلب هذا التناول التطرق إلى عدد من الحقائق لتشكل في مجملها صورة واضحة لمآلات عبقرية الاختيار.

الحقيقة الأولى : أنه لم يثبت عن الإمام المهدي أنه ذكر سبباً لإختياره أم درمان ، وبالتالي يكون المجال مفتوحاُ أمام كل التحليلات المستندة على حقائق أو وقائع ثابتة . والإدعاء المشهور بأن ناقته هي التي اختارت المكان قول فطير لا يصمد أمام حادثات أخرى . ولا يخرج من الأقوال التي تصور كثير من الكرامات الخارقة للمهدي  .  

الحقيقة الثانية : هي أن المهدي يعرف أم درمان معرفة جيدة ، فقد عاش في تلك المنطقة فترة ليست بالقصيرة ، حيث جاء مع أهله للشيخ الطيب ( راجل امرّحي ) ثم انتقلوا للخرطوم ، والمهدي بطبيعته كان ميالاً للخلوة والتنقل من مكان لمكان ، وبذلك ، لا يستبعد أن يكون في ترحاله بين الشيخ الطيب ومنطقة الخرطوم أن يكون قد مر بكل الشريط الغربي لنهر النيل القائمة فيه أم درمان حالياً . لهذا يمكن القول بإن الإمام المهدي اختار أم درمان بامتدادها الساحلي القديم لتكون مدينة المستقبل في السودان من بعده عن معرفة ودراية بطبيعتها الجغرافية وعن علم تام بسكانها.

الحقيقة الثالثة : أن المهدي إن أراد أن يستمر (رجل دين) أو (فكي)، فكان من الممكن ان يعود للجزيرة أبا التي اشتهر فيها في هذا المجال ، او الذهاب الى منطقة الحلاوين التي كان فيها الرجل الثاني بعد شيخه القرشي ود الزين ، لكنه أراد أن يحدث كما أسلفت ثورة في الدين ، لهذا أراد أن يكسر شوكة ومفهوم الصوفية ورجالات الدين التقليديين  لذلك كان يخاطب أهل الطرق بضرورة العودة  (تغييراً) إلى مفاهيم الدين الصحيحة .

الحقيقة الرابعة : أن المهدي إن كان يهدف الى ملك أو قيادة قبيلة ، فكان من الممكن له أن يختار أهله في الشمال ، أو أن يختار الغرب الذي ناصره ليحكمه من الأبيض أو بارا .

الحقيقة الخامسة  : العبقرية الإستراتيجية لاختيار أم درمان ، من الناحية العسكرية والإستراتيجية ، المهدي يعتبر الغرب عمق استراتيجي له ، حيث انه من امدرمان ناحية الغرب لا توجد عوائق طبيعية مثل الأنهار أو الجبال التي تعيق حركته إن استدعى الأمر الانسحاب غرباً . وثبتت تلك الفرضية عند انسحاب الخليفة غرباً بعد موقعة الشرف والكرامة في كرري .

ومن الناحية التأمينية الداخلية فنهر النيل يشكل حائط صد طبيعى يكشف كل من يحاول عبور النهر إلى أم درمان من الجهة المقابلة لها  ، وقد برز هذا بشكل كبير في صد هجوم قوات كتشنر عبر استخدام الطوابي .

كذلك يشكل شلال السبلوقة عائق طبيعي لأي قوات متحركة عبر النهر ، والجبال والتلال التي حوله في تلك المنطقة تشكل مكامن جيدة للمناوشة مع القوات البحرية أو القوات البرية التي تحرس البواخر النيلية .

يمكن للبعض – وهذا متاح لهم – القول أن هذه الرؤية قد لا تصمد أمام حوادث التاريخ ، وخاصة بعد وفاة المهدي والتحديات التي واجهت الدولة المهدية.  

ودون الدخول في تفاصيل القيود التي يمكن أخذها على الدولة وقادتها ورجالاتها ، نجد أن هذا الأمر كان عارضاً بطبيعة التحولات السياسية التي حدثت ، بدليل أن النموذج الاجتماعي والثقافي قد أخذ في النمو الطبيعي وفق معطيات التخلق الأول فتشكلت الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار بنفس فلسفة إدارة التنوع ومعايير التغيير التي كانت عند الإمام المهدي ، ونمت الثقافة الجامعة التي شكلت المرجعية المشتركة بتطور طبيعي وسلمي فرضته طبيعة الإنسان في التعايش ، وبالتالي أنتجت ثقافة مركزية شكلت موثقاً قوياً – في كثير من الأحيان – أمام الردة الى ثقافة القبيلة والطريقة الدينية .

فهل لنا من أمدرمان جديدة تقينا شرور الردة ومهاوي الفتنة العرقية والدينية التي تلوح في الأفق القريب !!!!؟ .

خاتمة من بعد منطلق :

ليس في استطاعتنا تغيير حوادث التاريخ !!! 

ولكن كل منا يملك – كل الحق –  في النظر إليها برؤى جديدة  وإعادة قراءتها من خلال مناهج جديدة ، لا بقصد محاولة  إعادة إنتاجها،  بل باعتبارها (ضرورية) لفهم واقعنا و (لازمة) لاستشراف مستقبلنا .

أضف تعليق