خرائط البقاء: الإمبراطورية، الذاكرة، وحرب أستراليا في السودان

بقلم: أحمد آدم*

في قلب مدينة ملبورن الأسترالية، وتحديدًا في شارع سبرينق، بالقرب من مبنى البرلمان. ينتصب تمثال يلفت الأنظار بسبب الحيّز الكبير الذي يحتله، غير أنّ تاريخه ودلالاته يظلان مجهولين لدى معظم المارّة. يخلّد هذا النصب ذكرى الجنرال البريطاني تشارلز غوردون، الذي لم تطأ قدماه أستراليا قط، غير أن مقتله في السودان دوّى صداه في أرجاء العالم الإمبراطوري، بما في ذلك المستعمرات الأسترالية. يمكن النظر إلى هذا التمثال لا بوصفه مجرد نصب تذكاري لجنرال خدم الإمبراطورية في الصين والهند والسودان، و لكن كجزء من جغرافيا إمبراطورية كانت تربط ملبورن ولندن والخرطوم ضمن اقتصاد استعماري مشترك.

أُرسل غوردون إلى السودان للدفاع عن السلطة الإمبراطورية أثناء انتفاضة المهدي. في لحظة بدا فيها أن الثقة البريطانية بامتدادها الاستعماري العالمي لا يمكن زعزعته. غير أنه وبحلول مطلع عام 1885، وجد غوردون نفسه معزولًا في الخرطوم، محاصرًا بقوات تقاوم الحكم الإمبراطوري. وفي منتصف كانون الثاني / يناير أرسل إحدى آخر برقياته إلى لندن، محذرًا من أنه سيُقتل إذا لم تصله التعزيزات. وبعد عشرة أيام، في 26 كانون الثاني / يناير 1885، حررت قوات المهدي مدينة الخرطوم وتم قتل غوردون. في أرجاء بريطانيا ومستعمراتها، لم يُعاش هذا الحدث بوصفه هزيمة عسكرية فحسب، بل كشرخ في السلطة الإمبراطورية ودليل على أن الإمبراطورية يمكن مقاومتها وإجبارها على التضعضع من أطرافها.

انتقلت الصدمة سريعًا حول العالم، وإن لم تُحَسّ على نحو متساوٍ. ففي حين ناحت بريطانيا ومستعمراتها على مقتل غوردون بوصفه مأساة إمبراطورية، قرأ آخرون الحدث بصورة مختلفة. ففي أجزاء من أوروبا، بما في ذلك إيرلندا، جرى الاحتفاء بهزيمة الإمبراطورية علنًا، وكتب شعراء عن الخرطوم باعتبارها لحظة إذلال للامبراطورية. تكشف ردود الأفعال المتباينة عن عالم إمبراطوري كان قد بدأ يتشقق بفعل المقاومة، والانتماء المشترك، ورفض الخضوع. وخلال أسابيع، أرسلت مستعمرة نيو ساوث ويلز قوة عسكرية إلى السودان في أول انتشار خارجي لقوات استعمارية أسترالية، محوِّلة أزمة إمبراطورية بعيدة إلى حدث محلي. ولم تكن مغادرة هذه القوات حدثًا باهتًا؛ فقد أُعلن في سيدني عن اليوم كعطلة عامة.

تجمّع الآلاف قرب الميناء لتوديع الجنود، وازدحمت الشوارع والأرصفة في طقس جماعي للانتماء الإمبراطوري. تصف الصحف مدينة تعجّ بالأعلام والخُطب والهتافات حتى ليبدو وكأن كل من هبّ ودبّ اندفع إلى المركز، يصرخ بالتشجيع بينما كان الجنود يصعدون إلى السفن. وكانت الصيحة التي تكررت في الحشد : “اذهبوا وأعطوا المهدي ما يستحق” تُجسّد السهولة التي جرى بها احتضان العنف البعيد بوصفه واجبًا أخلاقيًا. عسكريًا، لم يحقق فيلق نيو ساوث ويلز الكثير، وعاد من دون أن يغيّر مجرى الصراع. ولكن، وبفضل عدد محدود من القطع المحفوظة في الصرح التذكاري الحربي الأسترالي في كانبيرا، تبقى الحملة حاضرة بوصفها سابقة رمزية: تمرينًا مبكرًا على مشاركة أستراليا في حروب خارجية تُخاض في خدمة قوى إمبراطورية أكبر. وما بدأ كولاء للإمبراطورية البريطانية سيُعاد تشكيله في القرن العشرين عبر التحالف مع الولايات المتحدة، في استمرارية لا يُعبّر عنها عبر السيادة، و لكن عبر التبعية. والتى تجلّت بأوضح صورها في إنشاء قاعدة “باين قاب” إحدى أكبر منشآت الجيش والاستخبارات الأميركية استراتيجيةً خارج الأراضي الأميركية. وهكذا ما بدأ كولاء استعماري لبريطانيا سرعان ما تردد صداه في الجغرافيا السياسية المعاصرة، كاشفًا كيف أن الحروب البعيدة، والتحالفات الأجنبية، والبنى التحتية المحلية تتشابك منذ زمن طويل مع دور أستراليا في شبكات الإمبراطورية العالمية.

الاستعمار ليس فصلًا مغلقًا، بل حالة مستمرة. فارسال القوى والمعينات العسكرية، سواء في عام 1885 أو اليوم، يحمل عواقب تتجاوز الاستراتيجية وفن الحكم. ففي أستراليا، كانت الهياكل ذاتها التي مكّنت المشاركة في الحروب الخارجية، هي نفسها التي دعّمت السيطرة على حياة السكان الأصليين ونزع أرضهم. إن الاعتراف بهذه الاستمراريات لا يختزل التواريخ في تماثلٍ واحد، ولكن يبرز الطرق المختلفة التي مارست بها الإمبراطورية توسعها وهيمنتها. وفي نفس الوقت مقاومة السكان الأصليين سواء في استراليا، أو السودان. الذين يقف صمودهم علامة دائمة على ما لا تستطيع الإمبراطوريات محوه بالكامل.

إن قراءة ما حدث في العام 1788 إلى جانب عام 1885 يكشف كيف عملت الإمبراطورية عبر الكوكب. منتجةً الغزو عند طرف، والأزمة عند طرف آخر. ففي أستراليا، شهد العقد ذاته تكثيفًا للسيطرة الاستعمارية على حياة السكان الأصليين. وخلال ثمانينيات القرن التاسع عشر، تسارع نزع ملكية أراضي السكان الأصليين، وتوسّعت المحميات والبعثات التبشيرية، وراحت الحكومات تفرض سلطتها على الحركة والعمل والحياة الأسرية، مُكرِّسة لأذىً وإقصاءً دائمين. وهكذا، كان صمود السكان الأصليين في أستراليا والمقاومة المناهضة للإمبراطورية في السودان يحدثان داخل العالم الإمبراطوري نفسه، تم اختبارهم بطرق غير متكافئة، ويتم تذكّرهم على نحو مختلف، لكنهم متصلين بنيويًا. ويكشف السياقان معًا أن المقاومة والبقاء لم يكونا استثنائيين، بل سمات مركزية لنظام إمبراطوري قائم على الهيمنة والسيطرة. وعلى هذه الأرضية المشتركة، يمكن أن نتتبّع الخرائط التي رسمتها الإمبراطورية لا في المعارك والمعاهدات فحسب، بل في الاستراتيجيات اليومية لأولئك الذين صمدوا، وتكيّفوا، ورفضوا أن يتم استئصالهم ومحوهم من ذاكرة التاريخ.

غياب حرب السودان عن الذاكرة الأسترالية ليس أمرًا عرضيًا. فهذه الحرب تحتل موقعًا غير مريح داخل السرديات الوطنية التي تفضّل تخيّل أستراليا إما بوصفها موقعًا بريئًا معزولًا، أو شريكا مترددًا في الإمبراطورية. واستذكار فيلق نيو ساوث ويلز يقتضي الإقرار بأن تشكّل أستراليا كان مشتبكًا ليس فقط مع العنف ضد السكان الأصليين في الداخل، بل مع العنف الإمبراطوري في الخارج. لقد جرى تطبيع الغزو بوصفه استيطانًا، في حين نُسيت الحرب الإمبراطورية بهدوء. وما يبقى ظاهرًا هو نصب تذكارية مجرّدة من سياقها. 

وتزداد ضرورة نبش هذه الذاكرة البعيدة في ضوء النقاشات المعاصرة حول دور أستراليا في الصراع الحالي في السودان. فقد أثيرت مناقشات عامة وبرلمانية حديثة مخاوف بشأن نظام تصدير الأسلحة الأسترالي، بما في ذلك الموافقة على تصاريح تصدير عسكرية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التي ثبت تورطها في الصراع السودانى. ورغم اختلاف الآليات عن تلك التي سادت في القرن التاسع عشر، فإن النمط الكامن يظل مألوفًا: عنف بعيد، ومصالح اقتصادية، واصطفاف استراتيجي مع رأس المال المهيمن. 

إن تذكّر تواريخ أستراليا المنسية من فيلق نيو ساوث ويلز إلى التواطؤ المعاصر، ليس تمرينًا في التماثل أو المحاسبة الأخلاقية البسيطة. إنه إصرار على أن هذه التواريخ متشابكة، وأن محوها يخدم مصالح بعينها. ليست المهمة أن نرث الخرائط التي رسمتها الإمبراطورية، بل أن نتعلّم نسيانها. وفي مواجهة التقاويم الإمبراطورية والحشود الإمبراطورية، تشيرحركات المقاومة نحو مستقبل مختلف، مستقبل لا يُنظَّم عبر الهيمنة والمساحات، بل عبر الصمود والتضامن، والعمل غير المكتمل من أجل السلام.

* أحمد آدم فنان متعدد التخصصات، تمتد ممارساته لتشمل صناعة الأفلام، والتصوير الفوتوغرافي، والكتابة.

أضف تعليق