الثورة المهدية… والسودان المنتظر

 بقلم الأستاذ: وليد علي أبو زيد*

لن يكون الجمال موجوداً إلا بوجود من يعجب به … ولن تكون هناك حقيقة إلا بوجود من يؤمن بها

رابندرانات تاغور1861 – 1941

برز السودان على خارطة العالم القديم والحديث عبر عملية تكوين طويلة وقد اتخذ السودان عدة أسماء عبر تاريخ البشرية فقد تمت الإشارة إليه في النصوص والنقوش المصرية القديمة والأكادية والبابلية والآشورية والفارسية وكذلك اليونانية والرومانية بعدة أسماء، أشهرها ما جاءت في كتابات المصريين القدماء مثل تا سيتي أي أرض القوس و تا نحسي أي أرض السود وهذه تسمية ترجمها اليونانيين القدماء بلغتهم وتنطق اثيوبيا أي ذوي الوجوه المحروقة. وجاءت أول إشارة لتسمية السودان بلفظ كوش في النطق المصري القديم كاش ووردت كوش في نصوص الآشوريين بنطق قوس وأما قدماء السودانيين أنفسهم فقد أطلقوا على دولتهم كوش وهي نفس التسمية والنطق الذي أخذه الكتاب المقدس التوراة و وصف به أرض السودان. و قد كانت كوش دولة كبيرة  شملت شمال السودان وشرقه وجزء كبير من كردفان كما امتدت جنوباً الى جبل مويه بولاية سنار، حيث تنتهي الآثار الكوشية بآخر مواقع اكتشاف الفخار المروي الذي ينتمي للفترة بين 1500 ق م إلى القرن الرابع الميلادي. دخل السودان بعد سقوط هذه المملكة حوالي 350 م في حالة فراغ سياسي كبير امتد الى 200 عام وعرفت هذه الفترة بفترة المجموعة “إكس”.

(عصر البطولة في سنار تأليف جاي سبولدنج 1984)

انتهت فترة المجموعة إكس بظهور ثلاث ممالك اقتسمت أراضي كوش القديمة في العام 550 م وهي الفترة التي عرفت بفترة الممالك النوبية المسيحية التي تشمل مملكة المريس (نوباتيا) و عاصمتها فرص  ومملكة المقرة وعاصمتها دنقلا و مملكة علوة و عاصمتها سوبا و انتهت هذه الفترة بعد سقوط مملكة علوة عام 1505 م.

(الممالك النوبية المسيحية تأليف الأب جيوفاني فانتيني 1978)

كان العهد السناري بداية نظام سياسي مختلف ثقافيا حيث تربع الدين الإسلامي على عرش السلطة لأول مرة معلنا دخول السودان في التاريخ الإسلامي كدولة أو إمارة إسلامية. ولم يكن السودان أول الدول التي عرفت الحكم الإسلامي جنوب الصحراء وشرق أفريقيا حيث سبقته مملكة كانم (البرنو) 1380 م وممالك الطراز الإسلامي في الحبشة والصومال مملكة شوا ومملكة عفت.

و قد ظهرت في دارفور مملكة إسلامية مهمة عام 1586 م و هي مملكة الكيرا كنجارا (سلطنة دارفور 1586 – 1874 م). ثم مملكة تقلي في جنوب كردفان وعدد من الممالك الصغيرة في شمال السودان مثل ممالك الدفار وأرقو والخندق والشايقية وممالك النيل الأزرق مثل فازوغلي وكيلي والبرون وكلها كانت تعتبر ممالك صغيرة ومحدودة التأثير الثقافي والاجتماعي والسياسي.

(السودان القديم كما وثقته النصوص القديمة تأليف عبدالقادر محمود 2017)

ما يعرف بعهد “القيمان” في أواخر دولة الفونج يشبه إلى حد كبير حالة الفراغ السياسي التي عاشها السودان في فترة المجموعة “إكس”، بعد انقلاب الشيخ محمد أبو لكيلك على الملك بادي أبو شلوخ حوالي 1762 م، رغم أنه قام بتنصيب ابنه المك ناصر ملكاً على سنار إلا أنه كان منصباً صورياً حيث انتقلت السلطة فعلياً إلى الشيخ محمد أبو لكيلك وهذا أدي لتدهور الدولة و تمرد أطرافها و توزع مراكز القوى فيها حتى انهارت تماما عام 1821 م بعد دخول القوات التركية المصرية فيما عرف في أدبيات مؤرخي تلك الفترة بالفتح التركي المصري السودان.

و مع بداية العهد التركي عرف السودان نوع من الوحدة القاهرة الجبرية حيث قامت مصر الخديوية بضم كل هذه الممالك عبر سلسلة عمليات عسكرية امتدت منذ عام 1821 حتى 1874. وقامت بضم ما كان يعرف ببلاد النيام نيام و تم تسميتها بمديرية خط الاستواء والتي هي دولة جنوب السودان حالياً، ثم إخضاع دولة الكيرا كنجارا عام 1874 م. وهكذا استطاعت الخديوية التركية أن تقدم خريطة جديدة للعالم اسمها السودان الشرقي أو سودان وادي النيل.

نحو الوطن المنتظر 

وجد السودانيين أنفسهم لأول مرة في تاريخهم شعباً له مصير مشترك، و لكنه كان شعباً أسيراً ومكبلاً ومحتلاً بقسوة وجبروت غير مسبوق في تاريخه. فالإنسان السوداني وعبر كل تاريخه كان يعيش بحرية واستقلال ثقافي واجتماعي، ولكن النظام الاستعماري الجديد كان له رأي آخر، حيث لم يكن يتعامل مع السودانيين كمواطنين بل كموارد اقتصادية يتم تسخيرها للجندية و للزراعة واحياناً كسلعة تباع و تشتري، حيث نشطت تجارة الرقيق وازدهرت في عهد التركية حتى أصبح السودان أحد أسوأ البقاع على الكرة الأرضية بالنسبة للبسطاء وغير المسلمين حيث يتم تبرير استعبادهم بحكم مكانتهم الطبقية المضطهدة و ايضاً دينهم غير المعترف به لدى المستعمر. وقد يفقد الإنسان حريته إذا عجز عن دفع الضرائب أو الدقنية وهي ضريبة تفرض على كل رأس في الأسرة يجب دفعها سنوياً وإلا يتم مصادرته شأنه شأن السلع و البضائع. وهكذا خرجت الأمثال التي تم ترديدها بين السودانيين تلك الفترة تعبيراً عن التذمر وهي (التربة ولا الطلبة) أي الموت و لا الوقوف أمام موظف الجباية، وايضاً (التركي ولا المتورك) أي التعامل مع الموظف الذي جاء من قبل الخديوية أفضل من التعامل مع السوداني الذي يعمل تحت إمرة هذا الموظف، وهو الموصوف بالمتورك أي المتشبه بالترك. وجدير بالذكر أن كلمة التركي لا يقصد بها من كان تركياً أصلاً و لكن من يمثل الحكومة التركية المصرية مهما كانت جنسيته من غير السودانيين فهو تركي و إن كان مصرياً أو شركسياً أو ألبانياً أو سورياً أو حتى أوروبي.

أب السودان المنتظر

في هذه الفترة العصيبة ولد على النيل السيد محمد أحمد عبدالله و هو الشخص الذي قدر له أن يقود حركة التغيير التي ادهشت العالم، و قامت بتعريف قدرة شعوب جنوب الصحراء الإفريقية على ميلاد نفسها بنفسها. حيث استطاع محمد أحمد المعروف بالإمام المهدي أن يعيد بعث الشعب السوداني من عالم النسيان إلى صدارة عناوين الصحافة العالمية، كمفجر حركة تحررية لها صداها في العالم الذي كان يرزح تحت الامبريالية الاستعمارية والصلف الأوروبي والعثماني.

قاد الإمام المهدي السودانيين لأول مرة في تاريخهم الضارب في القدم موحدين تحت راية قضية واحدة، وبالرغم من الطابع الديني لثورة الإمام المهدي، إلا أن غير المسلمين من الشعب السوداني استجاب لهذه الثورة فقد أخرج نبي النوير نغوندينق نحاسه المقدس دانغ و قام بقرعه بالعصا المقدسة (دي) التي وهبها له كوت الروح العظيمة ليعلن المهدي روحاً مقدسه واجب اللحاق بها، وهكذا اتجه مقاتلي النوير للحاق بالمهدي الذي كان يعسكر بقدير. وكذلك ثار الدينكا وأعلنوا انضمامهم للمهدي في قتال الاستعمار، وانضمت عشائر جبال النوبة للثورة مع نزول المك آدم ود أم دبالو المهيب من الجبال تلبية لدعوة الحرية التي أطلقها المهدي. ولأول مرة في التاريخ كان هناك جيش يقف فيه الدنقلاوي والفوراوي والهدندوي والدينكاوي وكل قبائل الجهات الأربعة في السودان تحت راية واحدة.

هذه الثورة تعتبر الميلاد الحقيقي للشعب السوداني، وبعيداً عن قضايا الحكم وما شابه من تشوه إداري لهذه الحركة السياسية الشعبية الكبرى في تاريخ أفريقيا، إلا أنها كانت نموذجاً بارع الجمال والكمال لتوحد شعب ضد قوى الاستعمار وضد الزمن أيضاً. حيث أن انتصارات المهدي في خلال ثلاث سنوات ما كانت سهلة المتابعة من صحافة العالم المتحضر حيث أرسلت كبرى المؤسسات الصحفية في العالم مناديبها لمصر ولسواكن لتغطية هذه الحركة التحررية المدهشة. وأصبح المهدي والشعب السوداني مصدر إلهام ٍكبير للمفكرين والكتاب الباحثين عن الإصلاح في العالم. وقد ألهمت الثورة المهدية مفكري التيار التحرري و الاشتراكي في أوروبا أمثال إنجلز، ومفكري الإتحاد والترقي في تركيا أمثال أورهان ميريديتش، وايضاً القادة الثائرين مثل الثائر الصومالي محمد عبدالله حسن قائد ثورة الدراويش التحررية 1900 – 1920 م الذي اعتبره البريطانيون متأثرا بالإمام المهدي واطلقوا عليه لقب الملا المجنون وقاموا بقصف قواته وتدميرها بسلاح الطيران بعد أن قاتلهم ببسالة وشرف هم  والطليان والحبش طوال عشرين عاماً.

كان المهدي يوفي بوعده للعالم والسودانيين بميلاد السودان المنتظر، وهذا ما فسره المؤرخ فيرغس نيكول في كتابه “سيف النبي.. مهدي السودان وموت الجنرال غردون”  الصادر في العام 2004 م  بوصف المهدي بأنه الأب الحقيقي للشعب السوداني. 

قدم المهدي ورفاقه لوحة خالدة تعبر عن إرادة الشعوب حين تتوحد، ورسالة مقدسة بأن الحضارة والتمدن ليست أغلى من الحرية. وأن الاحتلال مهما طال فإنه لا محالة يعتبر طارئاً على تاريخ الشعوب وأنه ذاهب إلى الماضي مهما غرس أنيابه في جسد الحاضر.

نبذت المهدية العنصرية و أذابت الفوارق العرقية، حيث أحلت فكرة الإيمان بالقضية مكان رابطة العرق والثقافة الاجتماعية، وهذا يعتبر إلى حد ما نوعاً من مرتكزات نشوء الدولة الحديثة التي تجعل الدولة القومية مكان الولاء الوحيد دون العرق و الدين. ورغم أن الفكر الديني كان هو روح وجوهر الثورة المهدية، إلا أنها أعطت نموذجاً لتوحد السودانيين في سبيل الحصول على الحرية، حتى لمن لا يدين بالإسلام من الشعب السوداني مثل أبناء جنوب السودان الذين قاتلوا مع المهدي و رفاقه.

الآن و في هذه الحرب التي نعيشها كسودانيين قد أثقلتنا بالجراح والفرقة والكراهية بين المجتمعات، نستلهم ذكرى تحرير الخرطوم ودخول المهدي منتصراً ورفاقه، ثم تقديم السودان الذي كان منتظراً للمستقبل والتاريخ. سوداناً واحداً موحداً. فلأول مرة تحكم كافة الأراضي السودانية في الشمال والجنوب والشرق والغرب قيادة سودانية واحدة. واستحق بكل حقيقة لقب أب السودان. و رغم أن المهدي لم يعش بعد دخوله الخرطوم وتأسيسه عاصمته في أمدرمان إلا شهوراً معدودة، إلا أنه ترك إرثاً كبيراً لا يستطيع أن ينازعه في ضخامته عبر تاريخنا أحد من عظمائنا الأولين. و بدون أي شك فإن تلك القاعة التي يجتمع فيها أسلافنا في العالم الآخر، فإن الذي يتوسط مجلسهم هناك هو المناضل الثائر الكبير محمد أحمد المهدي ومعه رفاقه الذين قاتلوا كالشعراء المحاربين.

 

*وليد علي أبو زيد أكاديمي وباحث في التاريخ والثقافة السودانية

أضف تعليق