الأصداء العالمية للثورة المهدية

مقتطفات من كتاب بنفس العنوان للكاتب الدكتور محمد المصطفى موسى

تقديم: بروفسور عبدالله علي إبراهيم

الصادر عن دار المصورات للطباعة والنشر – 2019

من الباب السادس: الأصداء العالمية لموقعة تحرير الخرطوم

عندما أوشك العام 1885 على الانقضاء، كانت رياحه الشتوية الباردة تملأ رايات الثورة المهدية المنغرسة في تراب العاصمة المحررة للمرة الأولى منذ خمسة وستين عاماً من الاحتلال الأجنبي. وبعيداً عن السودان الذي كان ترابه يغلي كمرجلٍ ملتهب تحت أقدام البريطانيين، اُثقلت الجزيرة البريطانية بوطأةٍ مريرة حين حمل ذات الشهر أنباء انتصارات السودانيين على قواتهم الغازية. وحلت هناك أخبار مقتل غردون المقترنة بـ الهزيمة المدوية التي تلقتها جيوش الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس كما تحل الصاقعة بوقعها المزلزل على أرض آمنة مطمئنة.واندفع الحزن المنكسر ببأسه الذي لايُصد ليغزو بوابات قصر باكينغهام رغم أنف حراسه الأشداء، ليزلزل عرش الملكة فيكتوريا التي تعلق قلبها بانتصارات متوقعة لجيشها المبعوث لإنقاذ غردون. وفي السياق ذاته، ليس هناك ماهو أكثر تعبيراً عما سبق بمثل ما دونه اللورد “بونسونبي” سكرتير الملكة الخاص من توثيق لتلك اللحظات التي شهدت تلقي صاحبة الجلالة لأنباء انتصارات المهدويين. فلنترك حيزاً مريحاً للمؤرخ البريطاني “روبن نيلاندز” لينقل لنا المشهد برمته على لسان سكرتير العرش الملكي:

” لقد كانت الملكة في حالة سيئة تماماً بعد سقوط الخرطوم حتى بدت كالمريض المستلقي على فراشه. وكانت تتأهب للخروج للتو عندما أتانا تلغراف يحمل الأنباء.  وعندما توجهت (الملكة) إلى مسكني الخاص، وقد تبدى على محياها الشحوب. هناك وجدت زوجتي التي أفزعها منظر جلالتها وهي بتلك الحالة وقد خاطبتها وهي ترتعش: ” فات الأوان!” … ثم يستطرد نيللاندز قائلاً: لم تكن الملكة وحدها! عندما وصلت أنباء مقتل غردون للندن .. عمت حالة الحداد جميع أنحاء بريطانيا ونُكست الأعلام واعلن ذلك اليوم كحداد قومي وسرعان ما تحولت حالة الحزن العام إلى غضب جارف موجه لرئيس وزراء بريطانيا غلادستون”.

وتسيد القلق العميق كلمات صحف بريطانيا مهمة على غرار ذي مورنينغ بوست اللندنية، فكتبت تلك الصحيفة ذات الصيت الذائع بلهجة موغلة في البكائية عن ضرورة الرد على إهانات الثورة المهدية لكرامة بريطانيا في السودان بضربة عسكرية جديدة. وفي سبيل التأكيد على أهمية ما سبق تعرضت الصحيفة لما يمكن أن تشكله انتصارات الثورة السودانية من زعزعة لسيطرة بريطانيا الاستعمارية على بقاع مختلفة من العالم، منوهة في الوقت ذاته إلى أن ذلك الأثر الماحق قد يعصف بحكومة غلادستون نفسها، وفي ذلك قالت:

“إن الكارثة الهائلة التي حلت بنا في السودان ستتبعها آثار بعيدة المدى تدفعنا إلى أن لا نصدق أنه من الممكن أن تبقى الحكومة البريطانية الحالية على مكتب الحكم لأبعد من أسبوع بعد اجتماع البرلمان القادم. لا يمكننا أن نتقهقر مديرين ظهورنا للمهدي وجحافله دون أن نضحي بسيطرتنا على مصر ومن دون أن تهتز جراء ذلك الدعائم التي تقوم عليها امبراطوريتنا في الهند. وبما أننا قد تورطنا في هذا الصراع فإنه يتوجب علينا المضي فيه.  وبما أننا قد ذهبنا إلى السودان بالفعل، فإنه يتعين علينا إذن ألا نغادره إلا ونحن منتصرون”

وظل ما نادت به الصحيفة اللندنية المار ذكرها مندرجا في سياق ما يمكن وصفه بالأماني العصية على التحقق عطفاً على حقيقة الموقف العسكري في شمال السودان. حيث أن قائد الحملة الإنجليزية المنسحبة بفلولها المثخنة بالجراح، لم يلبث أن تلقى خطاباً معبأً بالثقة يعث به المهدي – بعد فراغه من تحرير الخرطوم – لكل عساكر الحملة البريطانية مطالباً إياهم بالتسليم كما فعل من قبل مع غردون. وقد جاء في هذا الخطاب:

“وقد توجهت إليكم جنود الله ولا طاقة لكم بمحاربتهم، ولكن من باب الشفقة عليكم امرناهم ألا يحاربوكم إلا بعد وصول هذا لكم وتحقق الإباء منكم عن الإجابة وألا يأذوكم ولا يتعرضوا عليكم في شئ من حقوقكم الخاصة إذا سلمتم ما عدا الميري والأسلحة والجباخين. فإن سلمتم عليكم أمان الله ورسوله وأمان العبد لله”. إلى أن يقول:

” وإلا اذا خالفتم لا نقبل منكم صرفاً ولا عدلا، وسترون ما يحل بكم”.

بيد أن اللورد ولزلي الذي قاتل جاهداً ليُلبس وجهه قناعاً من الكبرياء الزائف إزاء كل ما حدث، لم يستطع بأي حال أن يخبئ ما كان يتصعده من حنقٍ ومرارة، على الأقل في مستوى دائرة مقربيه من الخواص. ذلك أنه لم يلبث أن كتب لزوجته “لويزا” بعد أيام قليلة من وصول كتاب المهدي إليه، مقراً بشراك الثورة السودانية الذي أحاط بهم من كل جانب، وفي ذلك كتب:

“لقد انتصر المهدي .. وها نحن نبدو جميعاً .. كالأغبياء!” ..

وارتدت على ولزلي تقديراته الأولى المتيقنة بحتمية انتصاره على مقاومة السودانيين في أرضهم حين جزم بأن أي عملية عسكرية بريطانية للتقدم أمام قوات الثورة المهدية الآن بغرض استرداد الخرطوم من سيطرتهم ستكون “أخطر عملية عسكرية في بريطانيا منذ موقعة وترلوو الشهيرة ضد الفرنسيين بقيادة نابليون“. وطالب ولزلي بتعزيزات عسكرية كبيرة من لندن .. قدذر البرلمان البريطاني تكلفتها بما يقارب الأربعة ملايين ونصف من الجنيهات الإسترلينية. بيد أن رئيس الوزراء البريطاني “غلادستون” الذي صعقته انتصارات الثورة المهدية، اتجه لوضع حد لهذه المواجهة الخاسرة حين قال مخاطباً البرلمان: “هل يوجد هناك أي مبرر أخلاقي يجعلنا نهدر أرواح هذا العدد الضخم من قواتنا في ظل الوضع الحالي لإمبراطوريتنا وما يكتنفه من حوجة ماسة لتلك القوات. إننا نحارب أمام طبيعة قاسية في السودان كما أنه ليس بوسعي أن أخفي عليكم خشيتي من تورطنا في مقاتلة شعب يسعى نحو التحرر. لقد تم اثبات ذلك بجلاء خلال ما حدث بهذا البلد

وجاء في صحيفة “بيري اند نوريتش بوست”:

“ليس هنالك مراقب واحد ممن اعتادوا على رصد تحركات القوى المسيطرة على قرارات مجلس الوزراء البريطاني .. سيحمل في نفسه أدنى شك على أن مساجلات يوم الإثنين الفائت قد أوضحت بجلاء أن أمر التصميم على سحق المهدي في الخرطوم قد انتهى إلى موت كامل مشابه للموت الذي فرض نفسه على يوليوس قيصر. مهما كان من ضرورة ملحة لدينا لتحطيم قوة المهدي في الشهر الذي سبق، فإن الضرورة قد باتت اعظم ما تكون في هذا اليوم تحديداً. ولكن وزراء الحكومة البريطانية اكتشفوا أن هذه العمليات ضد المهدي ستكون مكلفة وطويلة المدى وبدرجة أكثر أهمية، غير مجمع عليها وسط مسانديهم. وتبعاً لذلك تبخرت كل بطولاتهم. هؤلاء الوزراء الذين قرروا بتهورٍطائش الحاق الهزيمة الساحقة بالمهدي في الخرطوم من قبل، ها هم أنفسهم يدرسون بقلقٍ بالغ كيف يمكنهم الهرولة هرباً قبل أن يسحقهم المهدي”

وجاء في ذي بول مول غازيتة:

” من النادر أن يجتمع البرلمان الإنجليزي تحت سماء أكثر اظلاماً مما هي عليه اليوم”

“في اللحظة التي سقطت فيها مدينة الخرطوم كما كان متوقعاً بحسب الإنذارات الكثيرة التي تلقتها الحكومة البريطانية منذ الصيف السابق، شهد الوضع هناك تحولا ً كبيراً.  وتبعاً لذلك تحول المهدي من مجرد متمرد على نفوذنا في أواسط أفريقيا إلى زعيم معترف به لكل القبائل العربية في وادي النيل. علينا أن نتذكر ما خطه الجنرال غردون بيده حين قال: (في اللحظة التي سيبسط فيها المهدي نفوذه على الخرطوم فإن مهمة سحقه ستصبح في غاية الصعوبة. ومع ذلك فإن سلامة مصر قد تدفعكم لتنفيذ هذه المهمة).  هاهو المهدي يؤكد بشكل كبير كل مخاوف الجنرال غردون. فبدلا ً من الجلوس راضياً في الخرطوم بعدما فتحت له أبواب المدينة بعامل التواطؤ، هاهو يأخذ زمام المبادرة بالتقدم مهاجما ً في اتجاهنا. وفي هذه اللحظة تحديدا يقال أنه يتقدم تجاه طابور جيشنا  الهزيل بستين ألفا من جحافله المنتصرة المكونة من أعراب السودان وقد برز هو لقيادتها  بنفسه. لقد أخذ الوضع برمته شكلا ً ثوريا ً كاملاً”.

” في كل مدن مصر ستسري موجة من الشعور العام بإمكانية قيامهم بما قام به المهدي في السودان. وكما قام هو بطرد الدخلاء والكفار فقد يكون بوسعهم إنجاز ما قام به من عمل. لقد قام المهدي بإثارة حالة خطرة من الهياج ضدنا في الجزيرة العربية وسوريا. وتم بالفعل توزيع منشورات بهذا الخصوص بداخل دمشق تدعو إلى الثورة ضد الأتراك سعياً لطردهم من تلك البلاد. وإذا خضع كل شرق السودان للمهدي فإنه من الممكن أن تقوم كل القبائل العربية بساحلي البحر الأحمر بحمل السلاح لذات الغرض. وإن لم يتم فعل شئ في هذا الخصوص، فإنه من الممكن جداً أن يؤدي انتصار المهدي علينا لإعادة فتح مسألة الشرق ككل من جديد”.

أصداء انتصارات الثورة المهدية في دواوين الاقتصاد البريطاني:

 لا شك أن الخسائر التي تكبدها البريطانيون جراء انتصارات الثورة المهدية عليهم لم تكن على مستوى الميدانين العسكري والسياسي دون غيرهما من الميادين. فقد دونت صحافة بريطانيا تفاصيل مستفيضة عن كيف هزت معركة تحرير الخرطوم وما تلاها من أحداث عاصفة..عرش مداولات الأسهم في أسواق المال البريطانية وما ترتب على ذلك من خسائر اقتصادية امتدت بأثرها لأسواق المال الأخرى الواقعة تحت نفوذهم الاستعماري على نحو مصر على سبيل المثال. نكسات اقتصادية كهذه، لم تكن لتتأخر كثيرا ً في أعقاب دخول المهدي ظافراً للخرطوم مع توقعات موضوعية اعتملت بباطن الذهن الجمعي الإنجليزي بتقدم قواته شمالاً لدحر فلول القوات البريطانية الغازية ومن ثم التوغل نحو مصر من جنوبها لتهديد مصالحهم الاستعمارية في المنطقة. وفي ذلك تحديداً كتبت صحيفة “لندن دليلي نيوز”:

“بعد وصول تلك الأنباء المحزنة من الخرطوم، هبطت مؤشرات كل اسواق المال ما عدا مؤسسة “غراند ترنك” التي سجلت هي الوحيدة ارتفاعاً دون غيرها. أسواق المال المصرية تعرضت بالطبع لأثقل الخسائر، بينما كان الهبوط في رأس المال الحكومي البريطاني من أكثر الملامح العامة خطورةً في هذا الشأن. وعلى الرغم من أن الخسائر البريطانية لم تكن بنفس ثقل الخسائر المصرية بحساب النسب المئوية إلا أن الهبوط في قيمة السندات البريطانية صار بما يعادل ثلاثة ملايين من الجنيهات الإسترلينية من حيث قيمة البيع بينما عانت السندات المصرية من هبوط في قيمة البيع بمقدار بنصف المقدار الذي عانت منه السندات البريطانية. وهذه التقديرات الجامحة جداً في هذا الوقت تحديداً جاءت مواكبة للصعوبات الحالية وما صاحبها من تكاليف اقتصادية أثرت بدورها على سعر الفائدة الإنجليزي في الشرق بأكمله”.

واتجهت صحيفة “ذي مورنينغ بوست” اللندنية نحو الإشارة إلى فداحة خسائر أسواق المال البريطانية بعد وصول ما أسمته ب “الأنباء الكارثية القادمة من السودان حول سقوط الخرطوم” إلا أنها ذكرت أن هناك تعافيا ً ما حدث لاحقاً بهذا الخصوص  على الرغم من تأكيدها بأن أسعار المداولات بقيت في حدها الأدنى تماماً بأحسن الأحوال. وأشارت الصحيفة ذاتها إلى أن مداولات أسواق المال العالمية الأخرى بقيت ضعيفة المستوى أيضاً بينما ألقت الهزائم البريطانية في السودان بظلالها على مداولات أسهم مؤسسة السكة حديد الإنجليزية في لندن وفي شمال غرب إنجلترا وكذلك بسوق المال الإنجليزية ب “كريستال بالاس” الذي شهد الخسائر الأثقل مما أدى إلى إيداع ذهباً قيمته مائة ألف من الجنيهات الاسترلينية لتغطية تلك الفجوة.

واستكمالاً لما يمكن إتباعه من موضوعية لتقدير الخسائر التي كبدتها مقاومة الثورة المهدية للجحافل البريطانية الغازية، يبقى من المهم هنا إفساح المجال واسعاً للغة الأرقام التي تمسك بحقائق الأشياء بما يليق بذلك من الدقة. وفي ذلك السياق نجد أن عدة مصادر إنجليزية قد قدرت المبلغ الكلي الذي صرفته حكومة الملكة “فيكتوريا” ورئيس وزرائها “غلادستون” لتجهيز الجيش البريطاني المبتعث للسودان لمواجهة الثورة المهدية وإنقاذ غردون، قد قفز من ثلاثمائة ألف من الجنيهات الإسترلينية عند بداية الحملة إلى سبعة ملايين ومائتين وستة وثلاثين جنيها ً إسترلينياً في نهاياتها.

وإذا علمنا أن الدخل القومي البريطاني لذلك العام ١٨٨٥ كان يناهز الـ ٧٧ مليوناً من الجنيهات الإسترلينية، فإن المعادلة الرقمية هنا تؤكد أن الخسائر التي كبدتها الثورة المهدية للاقتصاد البريطاني برمته في العام ١٨٨٥ قد بلغت رقماً قارب الـ٪١٠‏ من الدخل القومي البريطاني بذات السنة. و بحسابات أكثر تحديدا ً، يستبين جلياً أن إنفاق الحكومة البريطانية على حرب السودان قد فاق الـ ٪٣٧‏من الميزانية الكلية المخصصة للجيش الملكي البريطاني في العام ١٨٨٥ والبالغ قدرها ١٩ مليوناً و ثلاثمائة وخمسة وخمسين ألفاً من الجنيهات. 

إيرلندا.. القوميون الايرلنديون يحتفون بتحرير الخرطوم: 

في السواحل الأخرى المقابلة لإنجلترا، ظل القوميون الايرلنديون يتطلعون لأنباء الثورة المهدية بحماسةٍ وثقتها العديد من المصادر المتباينة. وليس من الصعب على العقل البحثي إدراك مبعث ذلك الشغف بأصداء انتصارات السودانيين هناك عطفاً على رزوح الجزيرة الإيرلندية تحت نير الاحتلال البريطاني لما قارب الثمانمائة سنة متتابعة لم تخل من مقاومة شعبية عنيفة للنفوذ الاستعماري دون أن يكتب لها النجاح الكامل. وجنح القوميون الإيرلنديين الذين تصاعدت أصواتهم الثائرة آنذاك على تاج الملكة فكتوريا، نحو وسائل إبداعية مختلفة للتعبير عن احتفائهم وانتصارات الثورة المهدية على عدو اعتبره جلهم بمثابة العدو المشترك للشعوب المتطلعة للحرية. وبرع الرسامون القوميون الايرلنديون في توظيف الرسوم الكاريكاتورية الساخرة للتعبير الخلّاق – على طريقتهم – عن إعجابهم بما حدث في السودان. ومن ذلك أن صحيفة “ويكلي فريمان” ذات الولاء القومي الإيرلندي المعروف قد أقدمت على نشر رسم كاريكاتوري ساخر بتاريخ ٢٣ فبراير 1884 .. يعرب في مجمله عن غبطة القوميين بتلك الأحداث ويظهر في الكاريكاتير غلادستون رئيس الوزراء البريطاني وهو ينحني أمام المهدي والذي بدى بدوره شامخا ً وهو يحمل رمحا ً وراية كتب عليها “الحكم الوطني” ! وأجرى الرسام حوارا ً قصيراً بين الزعيمين.. خاطب فيه غلادستون من انحناءته تلك قائد الثورة السودانية قائلاً: “عزيزي المهدي.. إن حجتك التي دفعت بها لاستقلال بلادك كانت من القوة بمكان بحيث أنني أصبحت لا أجد مبرراً للتدخل في شأنكم الداخلي وبالتالي تقبل قراري بحصولكم على حريتكم” .. بيد أن الرسام نفسه أجرى على لسان محمد أحمد المهدي ردا ً ساخراً لابد أنه تنزل على قراء الصحيفة الإنجليز بما يليق بكلماته الافتراضية من الانقباض.. ورد كما يلي: “احتفظ بقرارك لمن يحتاجه.. فنحن في غنى عنه.. الآن أنتم من يحتاجون لكي نقبل حتى نسمح لكم بالمغادرة لأوطانكم!“.

و لم يتقادم على نشر ذلك الكاريكاتير ب “ويكلي فريمان” سوى أيام خمسة قبل أن يتبعه رسام الكاريكاتير الإيرلندي المعروف جون فريغس أوهيا “Hea’O Fergus John” برسم آخر بالصحيفة نفسها، غالى فيه من سخريته من نداءات الأوساط الرسمية البريطانية لسحق ثورة المهدي، فاستدعى ما انتهت إليه الأشياء من مفارقات حين استدرجت القوات البريطانية نحو تولية الأدبار أمام تعقب قوات الثورة السودانية في صحراء الشمال. وقد تمثل ذلك بوضوح في ذلك الرسم الكاريكاتوري الذي يبدو فيه ولزلي  قائد حملة الإنقاذ البريطانية وهو يعدو هرباً وقد ترك من خلفه جثث جنرالاته الذين قضى عليهم السودانيين على نحو “ستيوارت” و”ايرل” و قد توسدت جثامينهم رمال الصحراء .. وبدا ولزلي مثقلاً بالذعر وقد تعقبه محمد أحمد المهدي بسيفه وكاد أن يهوي به إلى عنقه.

الأديبة والكاتبة المسرحية المعروفة بتوجهها القومي.. الليدي “أوغستا جرجيوري”  والتي اعتبرت ما قامت به الثورة المهدية في السودان بمثابة الثأر للايرلنديين عما ذاقوه من ويلات بفعل احتلال البريطانيين لأراضيهم. أصدرت الليدي جرجيوري كتيباً عن تلك الأحداث.. تصدرته عناوين نارية على غرار “ها نحن نحطم الوحش البريطاني: يد المهدي تأخذ لنا بثأرنا فيما وراء البحار .. ونحن نحطم ذات الوحش بالديناميت في الداخل”.

أما على مستوى الصحافة الإيرلندية، فقد تصدت صحيفة “وورلد آيريش” إجلاء الغبار عن أحداث السودان لتنقل أخبار تحرير مدينة الخرطوم بأيدي سودانية فخصصت صفحاتها الرئيسية بالكامل لأخبار السودان.. وفي ٧ فبراير ١٨٨٥ كتبت ذات الصحيفة: “إن الثورة السودانية الباسلة تستحق التعاطف الكامل من كل أصدقاء الحرية في شتى بقاع العالم”. كل ذلك تزامن مع تقارير متعددة أصدرتها صحف إيرلندية مختلفة عىل نحو “آيريش أمريكان” و “جورنال فريمان” و “آيريشمان” اتفقت معظمها – بحسب كلمات المؤرخ الإيرلندي نيال ويلهان – على أن انتصارات الثورة المهدية على البريطانيين ستضعف الإمبراطورية البريطانية بأسرها.

ولم يلبث محررو “آيريشمان” كثيراً قبل أن ينخرطوا في قراءة تحليلية عميقة لأصداء انتصارات الثورة السودانية على بقاع مختلفة بما في ذلك فرنسا والإمبراطورية البريطانية نفسها. ومن ذلك أن عدد الصحيفة الصادر في صبيحة ١٤ فبراير ١٨٨٥ قد تصدر صفحاته تقرير مطول عن أحداث السودان الأخيرة تحديداً. واستعانت “آيريشمان” في  متفرد، بآراء متفرقة من مقدمة ذلك التحليل الذي اقتربت فيه من تفاصيل الأشياء بقدر صحافة فرنسا التي احتفت جميعها بلا استثناء بانتصارات الثورة السودانية عىل الإنجليز. ومن ذلك ما أورده ذات التقرير عام نشرته صحيفة “لا ريبابليك فخانسي” من انتقاد لاذع لسياسة البريطانيين العالمية التي جعلت امبراطوريتهم أشبه بنعامة تدس رأسها في الرمل حتى لا تعلم شيئاً مما يمكن أن يسيئها من أنباء. وجنحت الصحيفة الفرنسية إلى تشبيه انتصار المهدية البين على بريطانيا بالنور الساطع الذي لن يجديها تجاهله أو تناسيه.

أضف تعليق